د. عبدالعزيز بن عبدالله بن طالب  

   
     
 

           

             

 

 

البحث العلمي والنشر . .

مقالات متخصصة

 
         

فاسألوا أهل البلد

بقلم :  او.  ال.  ديفيس O. L. Davis Jr.     (أستاذ المناهج وطرق التدريس بجامعة تكساس بأوستن , ورئيس هيئة تحرير دورية المنهج والإشراف التربوي Journal of Curriculum and Supervision  , و هذا المقال Ask the Natives  هو افتتاحية العدد 14/2 من هذه الدورية , 1999م ,  ص 105- 108. 

ترجمة: عبد العزيز بن عبدالله بن طالب  (أستاذ مساعد - قسم المناهج وطرق التدريس ، كلية التربية ، جامعة الملك سعود) (ترجمة بإذن مكتوب من المؤلف).  

 

تقدم أفراد بعثة الاستكشاف باتجاه الغرب معاكسين اتجاه نهر ميسوري العظيم وراوفده المتدفقة شرقًا وقد استغرقت هذا الرحلة أشهر الربيع والصيف, والآن, في شهر أيلول (سبتمبر) 1805م , خيم الفريق في قرية صغيرة وذلك بعد تجاوزهم أحد المعابر شديدة الانحدار, ولم يعد أمامهم سوى سلسلة من الجبال الشاهقة التي تمتد باتجاه النظر شمالًا وجنوبًا. وفيما القمم الصخرية لهذه الجبال تلامس السحب فإن الجليد المتكون حديثًا بدا وكأنه يعلن اقتراب موسم شتاء قارس.


لقد أوقفت هذه الجبال الشاهقة ميري وذر لويس وويليم كلارك ورفاقهم المستكشفين عن التقدم غربًا, ولم يجد الفريق غير قليل من العزاء في أن أسطورة استكشاف مناطق الشمال الغربي قد أصبحت في عداد المستحيلات. وفي الحقيقة فقد كانوا في حال يرثى لها، إذ إن الخرائط التي يستعينون بها قد أصبحت عديمة القيمة منذ أسابيع طويلة, كما أنهم تجاوزوا المناطق التي يتوفر فيها الصيد, وهم في حاجة ماسة لمصادر غذاء جديدة, وفي حاجة لمعرفة طريق أكيدة تمكنهم من تحقيق هدفهم باستكشاف المناطق الشمالية الغربية من البلاد، ثم الوصول إلى ساحل المحيط الهادئ عبر تجاوز هذه الجبال المنيعة. ما الواجب فعله في هذه الظروف الحرجة؟ هل من المناسب الاستمرار في محاولة اختراق الجبال، أم من الأفضل العودة شرقًا والتخلي عن هدف الرحلة؟ وفيما كانت البعثة الاستكشافية تتأرجح بشدة على شفا الإخفاق, قرر لويس وكلارك وأفراد البعثة أخذ قسط من الراحة والتشاور, وبعد مناقشة جميع الخيارات المتاحة اتفق الجميع على رأي جريء يقضي بالاستمرار في التقدم باتجاه الغرب وطلب المساعدة من السكان الأصليين(1).


والسكان الأصليون هنا هم قبائل الساليش الذين يعيشون في الجزء الغربي من المناطق الجبلية, ويرتحلون سنويًا إلى التلال الشرقية للتجارة ومن ثم يعودون إلى الغرب, حيث لم يعد اجتياز الجبال الجليدية الشاهقة يشكل لهم أدنى صعوبة لمعرفتهم بالمعابر الملتوية والأطعمة المناسبة خلال هذه الرحلة الشاقة, وبعد سلسلة من المفاوضات قرر الساليش مساعدة أفراد البعثة الاستكشافية في اجتياز الجبال.


إن قرار لويس وكلارك لم يكن سهلًا أو خاليًا من المجازفة, فأفراد البعثة الاستكشافية هم جنود أمريكيون في مهمة رئاسية, ولديهم أجهزة ومعدات قد تغري الآخرين بالاستيلاء عليها, والآخرون هنا هم - كما يعتقد أفراد البعثة - متوحشون أو بدائيون بسطاء في عالم بدأت فيه الولايات المتحدة تأخذ مقعدها كسيدة جديدة. وبناء على ذلك, فإن الشكوك كانت تراود هؤلاء المستكشفين في نوايا السكان الأصليين هل سيقودونهم عبر الممرات الجبلية الغدارة، أم سيطعمونهم مما لديهم من غذاء، أم يؤذونهم ويستولون على الأجهزة والمعدات التي لديهم؟ وفي الواقع فقد تم الوفاء بما اتفق عليه، حيث قاد السكان الأصليون أفراد البعثة الاستكشافية عبر الجبال بكل أمان, وبالإضافة إلى ذلك فقد زودوهم بمعلومات قيمة عن طبيعة الأراضي الواقعة بين الجبال والمحيط الغربي.


وقد مثل (سؤال أهل البلد) هنا نوعًا من المناقشة أو التخطيط مع الآخرين من أجل الوصول لحل لمشكلة عملية. ومع تعقيدات المشكلة وخطورتها المبدئية فلم يكن بإمكان لويس أو كلارك توقعها عندما قاما بالتخطيط والإعداد للبعثة, ذلك أنه ـ حتى مع تهيئة أفضل الاستعدادات ـ لا يمكن التنبؤ بدقة بما ستؤول إليه الأمور نجاحًا أو إخفاقًا. إن الاستعداد الجيد يقلل من احتمال فشل المشروع، غير أنه لا يضمن النجاح, فمهما كانت درجة التخطيط عالية ومهما توافرت عوامل الدعم فإن احتمال الإخفاق يظل عنصرًا أساسًا في مغامرات استكشاف المجهول البدنية كما هو الحال أيضًا في عمليات الإصلاح التربوي.


ليس هناك أدنى شك في أن الكابتن لويس والكابتن كلارك قد خططا للبعثة الاستكشافية بشكل دقيق ومفصل آخذين في الاعتبار كل المخاطر المحتملة حتى الوصول إلى المحيط الهادئ. لقد اشتمل الإعداد لهذه المهمة الاستكشافية على تهيئة العديد من التجهيزات كالمواد الغذائية والأجهزة العلمية الحديثة والبنادق, كما اشتمل الإعداد على جمع المعلومات الضرورية كتحديد خطوط الطول ودراسة البيئة النباتية والحيوانية وكذلك التدرب على مهارات معينة كمعالجة الجرحى والمصابين. ويمكن القول أيضًا إن التشاور وأخذ رأي رفاق البعثة في القضايا المختلفة كان أمرًا مألوفًا لكل من لويس وكلارك. أما سؤال السكان الأصليين والاعتماد عليهم، وهم كما يراهم البعض أدنى شأنًا، فذلك أمر لم يكن في الحسبان.


وبعد حوالي قرن من الزمان, قام كل من رولد امندسون وروبرت سكوت بالإعداد لبعثتين وطنيتين في إطار السباق لاستكشاف القطب الجنوبي. إن حكاية الإعداد والترتيب لهاتين البعثتين والدروس المستوحاة منهما في التخطيط التربوي هو موضوع هذا العدد من دورية المنهج والإشراف التربوي(2). وكما هي الحال في بعثة استكشاف الغرب الأمريكي فقد أدرك المستكشف النرويجي امندسون أهمية (سؤال أهل البلد) أثناء الإعداد لرحلته القطبية, ومكنه ذلك من اختيار الطعام المناسب والسكن في الأكواخ الجليدية الملائمة والاستفادة من الكلاب في جر العربات على الجليد, ولذلك نجح فيما فشل فيه المستكشف الآخر سكوت. إن (سؤال أهل البلد), لكل من لويس وكلارك في الغرب الأمريكي, وللنرويجي امندسون في القطب الجنوبي, لم يكن لمجرد جمع المعلومات فقط وإنما كان لأمر أبعد من ذلك.


ومع أن مواجهة المجهول أو الغامض أو المحير شيء غير مستبعد إلا أن (سؤال أهل البلد) لم يكن هو العنصر الرئيس أو الوحيد في عملية التخطيط في هاتين البعثتين, ففي معظم حالات الإعداد والتخطيط لمهمة ما يتم مراعاة الكثير من العناصر التي قد يبرز أحدها لاحقًا على أنه كان حاسمًا لنجاح المهمة أو ربما كان سببًا لفشلها. وفي هاتين البعثتين الاستكشافيتين, تبين أن (سؤال أهل البلد) كان أحد الأسباب الرئيسة, وليس السبب الوحيد الذي أدى إلى تحويل اتجاه المهمة تحويلًا مهمًا ومؤثرًا باتجاه النجاح.


عندما يقرر قائدو هاتين البعثتين طلب المساعدة فإنهم كانوا يعون بوضوح أنهم في حاجة لمعلومات لا تتوفر لديهم, وفي ذلك أيضًا إقرار واعتراف منهم بأن ما لدى الآخرين من معرفة أو حكمة أو خبرة قد يفوق ما لديهم خاصة في بعض القضايا المحددة التي يكون الآخر فيها هو صاحب الشأن. وبالنسبة لهؤلاء القادة فإن السلطة أو القيادة تتضمن قبول الرأي الآخر بدون حرج أو استصغار. وهكذا رأيناهم يطلبون المساعدة ويتقبلون آراء السكان الأصليين أهل البلد لأنهم - أي أهل البلد - أكثر من غيرهم خبرة ومعرفة بواقعهم وبالظروف المناسبة للمعيشة والتنقل.


سؤال أهل البلد, الذي أصبح سمة تميز هاتين البعثتين الاستكشافيتين, يمكن النظر إليه كقياس عميق في التخطيط التربوي, والنتائج المتوخاة لسؤال أهل البلد كفيلة بالقضاء على الكثير من العوائق والصعوبات. هناك على الأقل بعدان مهمان من الضرورة الوعي بهما , «لا بد أن يتنبه القادة التربويون إلى أهمية توفير مصادر دعم ومساعدة متنوعة عند التخطيط قبل وأثناء عمليات الإصلاح والتطوير التربوي, ومن ناحية أخرى فلا بد من تحديد من هم (أهل البلد) في الشأن التربوي».


إن المعلمين, بالطبع, هم دائمًا (أهل البلد) فيما يتعلق بشؤون التربية والتعليم. من يمكن أن يشمله التعريف أيضًا؟ الإجابة السهلة عن ذلك: أشخاص آخرون بحسب اختلاف الظروف والميادين. والقيادة التربوية الفاعلة تستطيع أن تبرز المعلمين ضمن «أهل البلد» اعترافًا بإمكانياتهم وطلبًا لمساعدتهم. «وعواقب إهمال أو تهميش أو التقليل من دور المعلمين من قبل القيادات التربوية المتعجرفة أو الجاهلة حسنة النية واضحة وضوح الشمس، إذ إنه أحد عوامل الفشل المتكرر لمبادرات الإصلاح والتطوير التربوي(3)».


إن الشعب الأمريكي يتوقع من مدارسه وقياداته التربوية الكثير, وفي الوقت الذي تحاول فيه هذه القيادات النهوض بالتعليم وإقرار بعض المبادرات والمشاريع الإصلاحية, فإنهم قد يجدون في قصة البعثات الاستكشافية للويس وكلارك وكذلك امندسون العديد من العبر والدروس المفيدة عمليًا, وأحد هذه الدروس يسير جدًا, (بادر بسؤال أهل البلد قبل وأثناء عمليات الإصلاح والتطوير التربوي).

 

هوامش النص الأصلي : 

(1) This account has been constructed from two excellent, recent books; Stephen E. Ambrose, Undaunted Courage: Meriwether Lewis, Thomas Jefferson, and the Opening of the American West (New York: Simon and Schuster, 1996), and Dayton Duncan and Ken Burns, Lewis and Clark: The Journey of the Corps of Discovery (New York: Alfred A. Knopf, 1997).

(2) David Pratt, "Planning in a Cold Climate," Journal of Curriculum and Supervision 14 (Winter 1999): 109-125; Maurice Holt, "Scott and Amundsen: Another Interpretation," Journal of Curriculum and Supervision 14 (Winter 1999):126-135.

(3) See, for example, David B. Tyack and Larry S. Cuban, Tinkering Toward Utopia: A Century of Public School Reform (Cambridge, MA: Harvard University Press, 1995).

----------------------------------------------------

نشر المقال في مجلة المعرفة , العدد 132 , ربيع الأول 1427هـ , ابريل 2006م.

- نص المقال الأصلي بالإنجليزية  >>   

 

للعودة للصفحة الرئيسة >>

 

 
 

 

جميع الحقوق محفوظة © عبدالعزيز بن عبدالله بن طالب