د. عبدالعزيز بن عبدالله بن طالب  

   
     
 

           

            

 

 

البحث العلمي والنشر . .

مقالات متخصصة

 
         

 سنة تحضيرية للمبتعثين !

 عبد العزيز بن عبد الله بن طالب*

يبدو أن هناك توجهاً لدى كثير من جامعاتنا نحو تقرير سنة تحضيرية للطلاب المستجدين، وقد عقد قبل نحو شهر اجتماع وكلاء الجامعات السعودية في جامعة الملك فيصل بالأحساء وكان موضوع اللقاء عن السنة التحضيرية، واستعرضت كل جامعة تجربتها أو ما تنوي تجريبه. وليس الهدف من هذا المقال الحديث عن إيجابيات أو سلبيات مثل هذه السنة التحضيرية، فهذا يحتاج إلى موضوع مستقل، لكن توجه الجامعات المحلية لتقرير (السنة التحضيرية) يجعلني أتساءل: إذا كانت الجامعات المحلية ترى أن خريجي المرحلة الثانوية بحاجة لإعداد وتأهيل مناسب قبل الالتحاق بها، فماذا عن الجامعات الأجنبية ذات المستويات الأعلى من جامعاتنا، والدراسة فيها تكون بلغة أجنبية، كما أن الطالب يتلقى تعليمه فيها في بيئة وثقافة بعيدة كل البعد عن البيئة والثقافة التي نشأ فيها.

تُساق مبررات تقرير السنة التحضيرية لدى الجامعات المحلية بسبب "الفروقات بين التعليم العام والتعليم الجامعي واختلاف طرق ومصادر وبيئة التعلم"، و"الحاجة إلى الارتقاء بالمستوى الأكاديمي للطلاب عن طريق وضع الأسس العلمية والمهارات اللازمة للتفوق الدراسي والنجاح في التعامل مع البيئة الجامعية"، بالإضافة إلى "مساعدة الطلاب للتعرف على التخصص الملائم لاهتماماتهم وقدراتهم". والحقيقة أن هذه المبررات في حد ذاتها كافية للنظر في تقرير سنة تحضيرية للطلاب المبتعثين الذين لن تختلف عليهم البيئة الدراسية فحسب، بل ستختلف عليهم أمور كثيرة ثقافية واجتماعية وتعليمية.

وبالإضافة إلى المبررات العامة السابقة، تتأكد أهمية تقرير السنة التحضيرية للمبتعثين بالنظر إلى الفترة الطويلة التي يقضونها منذ التقديم على البعثة إلى الحصول على تذكرة السفر التي تصل في حالات كثيرة إلى تسعة أشهر أو أكثر. وعلى سبيل المثال، فإن الوزارة تنظم في الشهر الحالي (يناير) الملتقيات الإرشادية للطلاب الذين تقدموا للابتعاث الصيف الماضي، وهذا الشهر - أي يناير- هو الشهر الذي يبدأ فيه عادة فصل الربيع الدراسي Spring semester في أمريكا وكندا وبريطانيا. لا أعتقد بإمكانية التحاق الطلاب بمعاهد اللغات أو الجامعات في الفصل الدراسي الحالي الذي بدأت فيه الدراسة فعلياً، وإنما سيكون بدء الدراسة غالباً في فصل الصيف أو فصل الخريف القادم، مما يعني مرور فترة (فصلين دراسيين ) يمكن استثمارها في رفع المستوى اللغوي للطلاب وزيادة رصيدهم من المهارات التي يحتاجون إليها.

كما تتضح أهمية تقرير السنة التحضيرية للمبتعثين بسبب بروز بعض المشكلات أو العقبات التي تحول دون الاستفادة المثلى من فترة الإعداد اللغوي في بلد الابتعاث، فمع كثرة الطلاب السعوديين وتضاعف أعدادهم خلال السنوات الثلاث الماضية، وبخاصة في دول أمريكا وبريطانيا وكندا وأستراليا، أصبحوا يشكلون نسبة كبرى في معاهد اللغة في تلك البلدان، فمعظم الطلاب المبتعثين يبدأون بدراسة اللغة بالإضافة إلى مرافقي (محارم) الطالبات المبتعثات، وكذلك زوجات الطلاب المبتعثين. والواقع أنه توجد فصول دراسية كل طلابها أو معظمهم من السعوديين، كما يشكل السعوديون النسبة العظمى من مجموع طلاب كثير من تلك المعاهد. ومن درس اللغة في الخارج يعرف أن هذا الواقع لن يساعد على إتقان اللغة الأجنبية، بل إن ذلك يشكل عقبة في سبيل التحصيل اللغوي، وبخاصة إذا عرفنا أيضاً أن كثيراً من معاهد اللغة وبسبب الزيادة المطردة في أعداد الطلاب، أصبحت تستعين بطلاب الدراسات العليا للمساعدة في التدريس وهم غالباً من قليلي الخبرة ولا يمكن مقارنة مستوياتهم بالمعلمين المتخصصين الأكفاء الذين تعودوا على التعامل مع الطلاب الأجانب. كما زادت أيضاً أعداد الطلاب في القاعات الدراسية. وهذا كله قد يفسر تمديد فترة دراسة اللغة لكثير من مبتعثينا، بالإضافة إلى عجز بعضهم عن الحصول على الدرجات المؤهلة المطلوبة في اختبارات اللغة القياسية (كاختبار TOEFL أو IELTS) مما يؤدي بهم غالباً للالتحاق بجامعات متوسطة أو ضعيفة المستوى (وإن كانت معتمدة لدى الوزارة) تمنحهم قبولاً مشروطاً بإكمالهم برنامج اللغة في المعهد التابع للجامعة، بدلاً من الجامعات القوية التي لا تتنازل عادة عن الحصول على درجات عالية في اختبارات اللغة القياسية.

وقد أشار الأخ الدكتور: خالد بن محمد الصغير في مقال نشر في هذه الصحيفة قبل نحو شهرين بعنوان "هل من سبيل لإعادة النظر في سياسة تعلم اللغة الأجنبية للمبتعثين" إلى أهمية إعادة النظر في السياسة الحالية المتبعة لتعلم اللغة الأجنبية في الخارج. ودعا إلى تعليم اللغة الإنجليزية محلياً، وساق مبررات كثيرة وعدد فوائد اقتصادية ولغوية وإدارية متنوعة. ومعظم الفوائد والمبررات التي ذكرها الدكتور الصغير يمكن تكرارها هنا فيما يتعلق بالسنة التحضيرية، وبخاصة مع تأكيدنا على أن تحتل دراسة اللغة الأجنبية النصيب الأكبر من البرنامج الإعدادي والتأهيلي المكثف.

فيما يتعلق بتنظيم (السنة التحضيرية) أقترح أن يتم قبول الطلاب المرشحين للابتعاث قبولاً مبدئياً يتم تقريره خلال فترة يسيره من تاريخ التقديم لا تتجاوز شهراً (أو يكون قبولاً فورياً كما يحصل في بعض الجامعات)، أما القبول النهائي للبعثة فيكون مرهوناً بإكمال السنة التحضيرية، التي يستثنى من حضورها الطلاب الحاصلون على قبول فوري غير مشروط من إحدى الجامعات المعتمدة. كما يمكن أيضاً في البداية تقرير السنة التحضيرية للطلاب المبتعثين لمرحلة البكالوريوس فقط، أو تقريرها للمبتعثين إلى الدول الناطقة بالإنجليزية (أمريكا وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا) وهي الدول التي يشكل السعوديون حالياً نسبة كبيرة من طلاب كثير من معاهد اللغة فيها كما تقدم. وللحصول على القبول النهائي للبعثة، لا بد أن يكمل الطالب برنامج السنة التحضيرية بنجاح، أو لا بد من حصوله على قبول غير مشروط من جامعة معتمدة، أو حصوله على درجة معينة في أحد اختبارات اللغة القياسية (كاختبار TOEFL أو IELTS) بحيث يستطيع الطالب بعد سفره إما بدء البرنامج الأكاديمي للبكالوريوس أو الدراسات العليا مباشرة أو الالتحاق بفصل دراسي واحد لدراسة اللغة الأكاديمية (مستوى متقدم) قبل البدء في البرنامج الأكاديمي. ويمكن أن تضع الوزارة مواصفات محددة للبرنامج التحضيري ثم يطلب من الجامعات والكليات الحكومية والأهلية والمعاهد المتخصصة في المملكة المشاركة في تنظيم البرنامج، بحيث يتم توزيع الطلاب المبتعثين في شتى مناطق المملكة بحيث تقوم كل جهة بتدريس 100 - 300 طالب، ويتم دفع تكاليف دراستهم المحلية من قبل الوزارة، ثم يتم تقييم هذه البرامج بالنظر إلى مخرجاتها وأداء الطلاب في الاختبارات القياسية.

من المهم أن يشكل الإعداد اللغوي وبرامج اللغة الأجنبية المكثفة 85 في المئة من مواد ومقررات برنامج السنة التحضيرية للمبتعثين بحيث يتم التركيز فيها على مقررات القراءة والكتابة والقواعد والمحادثة، ويتم التدريس فيها بواسطة معلمين مؤهلين تكون اللغة الأجنبية لغتهم الأولى، مع الاهتمام بالإعداد لاختبارات اللغة القياسية ويمكن الاستفادة من تجارب ناجحة في تدريس اللغة الإنجليزية كتجربة شركة أرامكو مع مبتعثيها، وكذلك تجربة معهد الإدارة العامة في تدريس اللغة الإنجليزية لموظفي الدولة المرشحين للابتعاث أو الإيفاد. وبالنسبة للـ15 في المئة الباقية، فيتم التركيز فيها على مهارات الحاسب (من المؤسف أن يذهب بعض الطلبة إلى بيئة تعليمية تعتمد بشكل كبير على الحاسب والإنترنت والتقنيات الحديثة وهو لا يتعامل مع الحاسب بل وليس لديه بريد إلكتروني!) وبعض المهارات المهمة الأخرى كمهارات الاتصال والتفكير والقراءة ونحو ذلك من المهارات التي يحتاج إليها الطالب، مما يؤدي إلى رفع مستويات طلابنا أمام الطلاب الآخرين بما في ذلك الطلاب الأجانب القادمون من الدول الأخرى. كما يمكن تضمين برنامج السنة التحضيرية العديد من الأنشطة غير الصفية (لقاءات، ورش عمل، معارض) لتعريف الطلاب بالدول التي سيقضون فيها جزءاً من أعمارهم والمجتمعات التي سيختلطون بها ويحتكون بها، ويكون هذا الإعداد ممتداً طيلة فترة الدراسة مما يسمح للطلاب بالتلقي الواعي والاستفادة المثلى بحيث يكون ذلك بديلاً عن الملتقيات الحالية للابتعاث التي تتركز أعمالها في محاضرات عامة تلقى في يوم أو يومين.

وفي الختام، أجمل أهم الفوائد المترتبة على تقرير برنامج إعدادي تأهيلي للمبتعثين يتمثل في سنة تحضيرية (أو حتى فصل دراسي مكثف)، فمنها ما يلي:

أولاً - إعداد الطلاب للدراسة الجامعية في الدول التي سيبتعثون إليها وإرشادهم للتخصصات المناسبة التي تناسب ميولهم وقدراتهم، مما يوفر أوقاتهم وجهودهم ويجنبهم تغيير تخصصاتهم لاحقاً بكل ما يمثله ذلك من أَضرار نفسية واجتماعية عليهم وأعباء مالية وإدارية على الدولة.

ثانياً - استثمار فترة إنهاء إجراءات الابتعاث في رفع مستوى طلابنا في اللغة الأجنبية، وتزويدهم بالمهارات الضرورية التي سيحتاجون إليها، كمهارات الحاسب ومهارات الاتصال والتفكير والقراءة ونحو ذلك من المهارات المهمة، مما يؤدي بهم لاحقاً للتفوق والتميز.

ثالثاً - من المتوقع أن يؤدي رفع مستوى طلابنا اللغوي والمهاري إلى حصول كثير منهم على قبول من الجامعات العالمية المتميزة ذات السمعة العالية، التي لا تتهاون عادة في شروط القبول وبخاصة فيما يتعلق بالمستوى اللغوي للطلاب الأجانب وكذلك في اختبارات القدرات الأخرى.

رابعاً - سيؤدي ذلك إلى التقليل من حالات الفشل والانسحاب التي يتعرض لها بعض طلابنا بسبب الفشل في اكتساب اللغة، أو عدم ملاءمة التخصص، أو عدم القدرة على التأقلم مع البيئة الدراسية أو المجتمع الجديد.

خامساً - تمييز الطلبة الجادين عن غيرهم، فالطالب الذي سيستطيع تجاوز هذا البرنامج والحصول على مستوى جيد في أحد اختبارات اللغة القياسية يقدم إثباتاً لقدرته على مواصلة مسيرة رحلته العلمية، وهذا، بالتأكيد، سيؤكد على مفهوم (المنحة التعليمية scholarship) لهذا البرنامج التنموي الذي تبنته الدولة، كما سيزيد المنافسة بين الطلاب ويشجعهم على إتقان اللغة والاهتمام بها مبكراً، وسيوجه أيضاً رسالة ضمنية للمجتمع باهتمامنا باختيار الطلاب المتميزين والمتفوقين للحصول على هذه المنح الحكومية السخية.

سادساً - تخفيف جزء مهم من الأعباء الإدارية والإشرافية عن الملحقيات الثقافية وبخاصة في الدول التي تعاني من تضاعف أعداد الطلاب فيها في السنوات الأخيرة.

سابعاًً - توفير مبالغ مالية كبيرة وهي التي تدفع كرسوم دراسية لمعاهد اللغات الأجنبية بالإضافة إلى تكاليف السكن والمعيشة والنفقات الشهرية للمبتعثين ومرافقيهم، ويمكن الاستفادة من هذه المبالغ المالية لدعم الجامعات والكليات المشاركة في تنظيم برامج السنة التحضيرية للمبتعثين، وكذلك لتشجيع الطلاب على التفوق والتميز أثناء التحاقهم بهذه البرامج. والله ولي التوفيق.
 

* أكاديمي ، مؤلف كتاب "الدراسة في الخارج"  www.taleb.net

-------------------------------------------------------------

- نشر المقال في صحيفة الجزيرة  ، صفحة مقالات ،العدد 12908  الخميس 23 محرم 1429هـ   31 يناير 2008م.

- المقال في موقع الصحيفة:   http://www.al-jazirah.com/81205/ar3d.htm

 

 

للعودة للصفحة الرئيسة >>

 

 
 

 

جميع الحقوق محفوظة ©  عبدالعزيز بن عبدالله بن طالب