د. عبدالعزيز بن عبدالله بن طالب  

   
     
 

           

           

 

 

البحث العلمي والنشر . .

مقالات متخصصة

 
         

أيها المبتعث: من أي جامعة تخرجت؟  (2 من 2)  

 عبد العزيز بن عبد الله بن طالب*

لقراءة الجزء الأول من المقال >>

في الجزء الأول من المقال تمت مناقشة موضوع الأفضلية بين الجامعات الدولية، مع عرض بعض المعلومات عن تصنيف شانغهاي كأحد أبرز التصنيفات الدولية للجامعات والتي لاقت قبولاً واسعاً، كما تمت مناقشة بعض المؤشرات والتي يمكن الاستفادة منها لمعرفة مستويات الجامعات، وفي هذا الجزء يتم الحديث عن أهمية الانتساب لإحدى الجامعات المتميزة، ثم يختم المقال بتقديم بعض المقترحات لتشجيع المبتعثين والمرشحين للابتعاث على الالتحاق بالجامعات المتميزة ذات السمعة العالمية المرموقة. 

من المهم أن يتولى الطالب الذي يرغب الدراسة في الخارج أمور الحصول على قبول بنفسه، فعملية التقديم على الجامعات ليست بالعملية الغامضة أو المستحيلة. إنها تجربة مثيرة وممتعة ومفعمة بالتحدي، ومن جربها فلن ينسى ذلك اليوم الذي يستلم فيه رسالة الجامعة المتميزة وفي سطرها الأول «مبروك لقد حصلت على مقعد في الجامعة». بالتأكيد لن تصل هذه الرسالة من الجامعات المتميزة والعريقة في أول شهر أو شهرين بل قد يحتاج الطالب لفترة طويلة قد تصل أو تتجاوز عاماً كاملاً من المراسلات المتكررة واستكمال النواقص واستيفاء المتطلبات، لكن مع العزيمة والإصرار سيحصل عليها حتماً الساعي لها كما حصل عليها الآخرون. الحديث هنا عن الجامعات المتميزة والتي يكثر خطابها والتي لا تقبل إلا من تختارهم بعناية وفق شروط دقيقة، أما الجامعات الأخرى فليس الكلام عنها هنا لأنه لا شروط لديها تذكر عدا إكمال بعض المستويات لدى معهد اللغة التابع للجامعة. 

إن خطوات التقديم على الجامعات سهلة ويسيرة ويتم أكثرها وفق تعبئة نماذج معينة ولا تتطلب كثير إلمام باللغة، وهناك العديد من الأمور التي تساعد الطالب على تحسين فرصه للفوز بمقعد في إحدى الجامعات المتميزة والمرموقة وليس هذا مجال التفصيل فيها، وسبق أن تم توضيحها بالتفصيل في كتاب «الدراسة في الخارج». في البداية لا بد من معرفة متطلبات القبول والأمور التي تبحث لجان القبول في الجامعات عن توافرها في المتقدمين، وبعد معرفتها وتوفيرها يمكن تحديد مجموعة من الجامعات التي يتم اختيارها بعناية لمراسلتها، وخلال فترة المراسلة والإيفاء بالمتطلبات، فمن المهم أن يسوق الطالب نفسه بشكل جيد market yourself وأن يعرض كافة قدراته وخبراته ومهاراته، مما يؤدي لقبوله على الأقل في بعض أو إحدى الجامعات التي تقدم لها. قديماً قيل «ما حك جلدك مثل ظفرك» ولذا فإن الطالب الجاد لا بد أن يتولى هذا الموضوع بنفسه، إذ إن الاتكالية والاعتماد على الآخرين أو الاعتماد على المكاتب التجارية يؤدي غالباً لنتائج غير جيدة، فمعظم هذه المكاتب تبحث عن قبول سريع، وهذا لا يتحقق غالباً مع الجامعات المتميزة، ولهذا السبب يتجمع بعض الطلاب السعوديون في جامعات معينة مما يقلل استفادتهم من التجربة الدراسية والحياتية «للدراسة في الخارج». من الأفضل في رأيي أيضا أن يتأخر الطالب نصف عام أو يزيد حتى يجد قبولاً من جامعة متميزة بدلاً من الاستعجال للسفر مع أول قبول يحصل عليه. 

سأضرب مثالاً وأتمنى من كل مقبل على تجربة العمر في الابتعاث أن يتذكره ويفكر فيه قبل أن يتخذ قراره باختيار جامعة معينة. لو حصلت على منحة عقارية (أرض) من الدولة وترك لك اختيار المكان المناسب في أي حي تريد تحديد - أو (تطبيق) حسب المصطلح الدارج لدى المختصين - هذه المنحة. بالتأكيد لن تذهب للأحياء القديمة أو المكتظة بالسكان أو التي تقع في الأودية ومجاري السيول، وإنما ستبحث عن أفضل الأماكن من حيث الارتفاع والسعة والهدوء ورقي الخدمات ونوعية الجيران.. إلخ. عندما يختار الطالب جامعة تتوافر فيها مؤشرات الضعف فإنه كمن يترك كل الأماكن الجيدة لبناء بيت العمر ويختار المكان السيئ بمحض إرادته. هذه تجربة العمر وهي منحة حكومية كريمة أيضاً مثل المنحة العقارية، فلم لا تبحث لها ولنفسك عن الأفضل والأحسن؟

ومع أهمية كل المواعظ والنصائح، فإنه لن يكون هناك أي تغييرات ملموسة في خارطة توزيع مبتعثينا على الجامعات في الحاضر والمستقبل ما لم يتم تبني سياسات جديدة تستهدف تشجيع التحاقهم بالجامعات المتميزة والمرموقة. توجد حالياً بعض المثبطات التي قد يكون لها دور في الابتعاد عن الجامعات المتميزة، وأحد هذه المثبطات أنه ونتيجة لانخفاض مستوى الطلاب عموماً وضعف المستوى العام في الجامعات غير القوية فإن الملتحقين بها تكون فرصتهم في الحصول على درجات ومعدلات تراكمية أعلى من نظرائهم الملتحقين بالجامعات القوية، مما يمكنهم من الحصول على مكافآت التفوق أو بعض الجوائز الأخرى والتي تمنح بناء على درجة المعدل التراكمي بدون النظر لمستوى الجامعة. بعض الطلاب يفضل أن يبقى في جامعة متوسطة المستوى ولكنه يحصل فيها على معدل تراكمي يؤهله كل فصل دراسي للحصول على مكافأة تفوق، بينما لو التحق بالجامعة القوية فلن يستطيع الحصول على المعدل التراكمي نفسه.

من المهم وضع آليات محددة لتنظيم حوافز مالية لتشجيع التحاق الطلاب بالجامعات المتميزة، ولسهولة وضع آلية للتطبيق يمكن اعتماد تصنيف شانغهاي للقبول الواسع الذي حظي ويحظى به كما تم توضيحه سابقاً، ولأن ترتيب الجامعات فيه لا يتغير كثيراً وخصوصاً في المئة الأولى top 100 والتي يمكن أن نطلق عليها «جامعات الصدارة». إن نظرة سريعة على قائمة «جامعات الصدارة» يوضح أن ترتيبها لا يتغير كثيراً بين عام وآخر، وذلك لصعوبة ودقة مؤشرات القياس التي تم الاعتماد عليها، وعلى سبيل المثال جامعة كورنيل الأمريكية Cornell University ترتيبها لم يتغير وهو 12 منذ عام 2003م أما جامعة كولورادو University of Colorado فترتيبها يتأرجح بين 31 و34 طيلة أعوام التصنيف الثمانية. وهكذا بقية جامعات الصدارة، فالفروق غالباً تكون طفيفة بين نتيجة كل عام والعام الذي يليه. إذا تم اعتماد تصنيف شانغهاي للمبررات المتقدمة، فإن من الحوافز المقترحة مكافأة سنوية مقطوعة (مرتب شهران مثلاً) تصرف للملتحقين بأفضل 50 جامعة في التصنيف، ومرتب شهر واحد سنوياً كمكافأة للملتحقين بإحدى الجامعات من 51 إلى 100، ولتسهيل التطبيق فإن المكافأة تصرف للمبتعث عند حصول جامعته على المرتبة المحددة ضمن الإطار المحدد لثلاث سنوات متتالية. 

ومع الأهمية التي يجب وضعها لتشجيع التحاق عموم المبتعثين بالجامعات المتميزة، إلا أن هناك فئة من المبتعثين يفترض منحها الأولوية القصوى في هذا المجال، وهؤلاء هم مبتعثو الجامعات السعودية من المعيدين والمحاضرين، إذ لا ينبغي أبداً التساهل في مستويات الجامعات التي سيلتحقون بها، بل ينبغي أن يتم تركيز ابتعاثهم على الجامعات الرائدة والمتقدمة وخصوصاً في مجال البحث العلمي والدراسات العليا، وتصنيف شانغهاي يمكن الاستفادة منه في هذا المجال حيث إن مؤشرات قياسه يركز معظمها على التميز في البحث العلمي. ومن الاقتراحات في هذا المجال منح علاوة إضافية عند التعيين أو الترقية، وذلك للمتخرجين من جامعات الصدارة (أفضل 50 أو أفضل 100 جامعة في تصنيف شانغهاي). 

بدل الندرة هو أحد البدلات التي تم إقرارها العام الماضي لتحسين كادر أعضاء هيئة التدريس، وللأسف تم تفسير معنى الندرة تفسيراً ضيقاً فيما يتعلق بالندرة في التخصصات، مع أن الندرة مصطلح عام وواسع لا يقتصر على الندرة في التخصص، وفي الدول المتقدمة نجد تقييم أعضاء هيئة التدريس وتقدير مكافآتهم ورواتبهم يعتمد على أمور كثيرة منها الجامعات التي تخرجوا منها حيث إن ذلك هو أحد (محددات الندرة)، وهو مؤشر يوضح قدرة الشخص وإمكانياته ونتائجه في الاختبارات القياسية ومؤهلاته التي مكنته من الحصول على مقعد في جامعة بعينها. إنني أتمنى من وزارة التعليم العالي والجامعات السعودية إعادة النظر في تفسير الندرة ليشمل الجامعات التي حصل منها أعضاء هيئة التدريس على درجة الدكتوراه، وإذا تم ذلك فإنه سيكون أكبر محفز للمعيدين والمحاضرين للالتحاق بالجامعات المتميزة والمرموقة، ويمكن منح بدل الندرة كاملاً لمن تخرج من إحدى جامعات الصدارة (أفضل 50 جامعة في تصنيف شانغهاي)، ومنح نصف البدل لمن تخرج في الخمسين التالية، أو إيجاد أي آلية أخرى مناسبة لذلك. 

من السياسات المقترحة لتنويع خبرات هيئة التدريس في المستقبل في الجامعات السعودية تحديد حد أعلى لمبتعثي كل جامعة سعودية للدراسة في جامعة واحدة (على سبيل المثال لا يدرس أكثر من خمسة في فترة واحدة في جامعة واحدة ولا يدرس أكثر من اثنين من قسم واحد)، وهذا لو طبق فسيؤدي لتنويع الخبرات وسيقضي على (بعض) التجمعات للمعيدين والمحاضرين في جامعات معينة، وسيسعى المعيدون والمحاضرون للبحث عن قبولات حتى في أكثر الجامعات صعوبة في متطلبات القبول. من التجارب الرائعة في هذا المجال ما تقوم به هيئة سوق المال فهي لا تبتعث من منسوبيها أكثر من اثنين لجامعة واحدة، وهذا يعني أنه لو تم ابتعاث 100 موظف من الهيئة خلال خمسة أعوام فهؤلاء الموظفون المئة سيتخرجون من 50 جامعة على الأٌقل من مختلف دول العالم. إنني متأكد أن الهيئة سوف تجني ثمار هذه السياسة الحكيمة في تنويع تعليم وخبرات ومهارات موظفيها مما سينعكس بإذن الله على تطور أعمال الهيئة. 

وفي الختام، فإنه ومع هذا التوجه الكبير للابتعاث ولكي نحقق أعلى درجات الاستفادة منه، فإنه لا بد من التوعية بموضوع مستويات الجامعات والتفاضل بينها، ولا بد من وضع السياسات والحوافز المختلفة لتشجيع المبتعثين عموماً ومبتعثي الجامعات السعودية على وجه الخصوص للالتحاق بالجامعات المتميزة والمرموقة في دول العالم المختلفة، مما سيؤدي إلى تنويع خبرات المبتعثين وتطوير مهاراتهم المختلفة، وسينعكس - بإذن الله - على تطور التعليم العالي والبحث العلمي في المملكة. 
 

* أكاديمي ، مؤلف كتاب "الدراسة في الخارج"  www.taleb.net

-------------------------------------------------------------

- نشر المقال في صحيفة الجزيرة ، العدد 13914  الثلاثاء 25 ذو القعدة 1431هـ   2  نوفمبر  2010م.

- المقال في موقع الصحيفة:   http://www.al-jazirah.com.sa/20101102/rj2d.htm

 

للعودة للصفحة الرئيسة >>

 

 
 

 

جميع الحقوق محفوظة ©  عبدالعزيز بن عبدالله بن طالب